أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
645
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثالث : أنه في محل رفع خبرا لمبتدأ مضمر ، أي : ذلك إذ قال ، ذكره الواحدي وهذا ضعيف ، لأن « إِذْ » لا يتصرّف فيها ، وكذلك القول بأنها مفعول بها بإضمار « اذْكُرْ » ، وقد تقدّم تحقيق ذلك ، اللهم إلا أن يريد الواحدي بكونه خبرا أنه ظرف قائم مقام خبر نحو : « زيد عندك » فيجوز . قوله : يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ تقدّم الكلام في اشتقاق هذه المفردات ومعانيها « 1 » . و « ابْنَ » صفة ل « عِيسَى » نصب لأنه مضاف ، وهذه قاعدة كلية مفيدة ، وذلك أنّ المنادى المفرد المعرفة الظاهر الضمة إذا وصف « ابْنَ » أو ابنة ووقع الابن أو الابنة بين علمين أو اسمين متفقين في اللفظ ولم يفصل بين الابن وبين موصوفه بشيء تثبت له أحكام منها : أنه يجوز اتباع المنادى المضموم لحركة نون « ابْنَ » فيفتح نحو : « يا زيد بن عمرو ، ويا هند ابنة بكر » بفتح الدال من « زيد » و « هند » وضمّها ، فلو كانت الضمة مقدرة نحو ما نحن فيه ، فإنّ الضمة مقدرة على ألف « عيسى » فهل يقدّر بناؤه على الفتح اتباعا كما في الضمة الظاهرة ؟ خلاف : الجمهور على عدم جوازه ، إذ لا فائدة في ذلك ، فإنه إنما كان للاتباع وهذا المعنى مفقود في الضمة المقدرة . وأجاز الفراء ذلك إجراء للمقدر مجرى الظاهر ، وتبعه أبو البقاء فإنه قال : « يجوز أن يكون على الألف من « عيسى » فتحة ، لأنه قد وصف ب « ابْنَ » وهو بين علمين ، وأن يكون عليها ضمة ، وهو مثل قولك : « يا زيد بن عمرو » بفتح الدال وضمها » . وهذا الذي قالاه غير بعيد ، ويشهد له مسألة عند الجميع : وهو ما إذا كان المنادى مبنيا على الكسر مثلا نحو : « يا هؤلاء » فءنهم أجازوا في صفته الوجهين : الرفع والنصب فيقولون : « يا هؤلاء العقلاء والعقلاء » بنصب العقلاء ورفعها ، قالوا : والرفع مراعاة لتلك الضمة المقدرة على « هؤلاء » فإنه مفرد معرفة ، والنصب على محله ، فقد اعتبروا الضمة المقدرة في الاتباع ، وإن كان ذلك فائتا في اللفظ . وقد يفرّق بأن « هؤلاء » نحن مضطرون فيه إلى تقدير تلك الحركة لأنه مفرد معرفة ، فكأنها ملفوظ بها بخلاف تقدير الفتحة هنا . وقال الواحدي في « يا عِيسَى » : ويجوز أن يكون في محل النصب لأنه في نية الإضافة ، ثم جعل الابن توكيدا له ، وكل ما كان مثل هذا جاز فيه الوجهان نحو : « يا زيد بن عمرو » وأنشد : 1849 - يا حكم بن المنذر بن الجارود * أنت الجواد بن الجواد بن الجرد « 2 » سرادق المجد عليك ممدود بنصب الأول ورفعه على ما بيّنّا . وقال التبريزي : « الأظهر عندي أنّ موضع « عيسى » نصب ؛ لأنك تجعل الاسم مع نعته إذا أضفته إلى العلم كالشئ الواحد المضاف ، وهذا الذي قالاه لا يشبه كلام النحاة أصلا ، بل يقولون : الفتحة للاتباع ولم يعتدّ بالساكن لأنه حاجز غير حصين ، كذا قال الشيخ « 3 » . قلت : قد قال الزمخشري - وكونه ليس من النحاة مكابرة في الضروريات - عند قوله : إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ « 4 » : « عيسى في محل النصب على اتباع حركته حركة الابن كقولك : « يا زيد بن عمرو » وهي اللغة الفاشية ، ويجوز أن يكون مضموما كقولك « يا زيد بن عمرو » والدليل عليه قوله :
--> ( 1 ) انظر تفسير الآية ( 87 ) من سورة البقرة . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 50 ) . ( 4 ) سورة المائدة ، الآية ( 112 ) .